أبي حيان الأندلسي

225

تفسير البحر المحيط

والقياس أزير وكذا قال الزمخشري : قال وكان القياس أزير فقلبت الهمزة إلى الواو ووجه قلبها أن فعيلاً جاء في معنى مفاعل مجيأ صالحاً كعشير وجليس وقعيد وخليل وصديق ونديم ، فلما قلب في أخيه قلبت فيه ، وحمل الشيء على نظيره ليس بعزيز . ونظراً إلى يوازر وأخواته وإلى الموازرة انتهى ولا حاجة إلى ادعاء قلب الهمزة واواً لأن لنا اشتقاقاً واضحاً وهو الوزر ، وأما قلبها في يؤازر فلأجل ضمة ما قبل الواو وهو أيضاً إبدال غير لازم ، وجوزوا أن يكون * ( لّى وَزِيراً ) * مفعولين لاجعل و * ( هَارُونَ ) * بدل أو عطف بيان ، وأن يكون * ( وَزِيراً ) * و * ( هَارُونَ ) * مفعولية ، وقدم الثاني اعتناء بأمر الوزارة و * ( أَخِى ) * بدل من * ( هَارُونَ ) * في هذين الوجهين . * قال الزمخشري : وإن جعل عطف بيان آخر جاز وحسن انتهى . ويبعد فيه عطف البيان لأن الأكثر في عطف البيان أن يكون الأول دونه في الشهرة ، والأمر هنا بالعكس . وجوزوا أن يكون * ( وَزِيراً مّنْ أَهْلِى ) * هما المفعولان و * ( لِى ) * مثل قوله * ( وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ ) * يعنون أنه به يتم المعنى . و * ( هَارُونَ ) * على ما تقدم . وجوزوا أن ينتصب * ( هَارُونَ ) * بفعل محذوف أي اضم إليّ هارون وهذا لا حاجة إليه لأن الكلام تام بدون هذا المحذوف . وقرأ الحسن وزيد بن عليّ وابن عامر * ( اشْدُدْ ) * بفتح الهمزة * ( وَأَشْرِكْهُ ) * بضمها فعلاً مضارعاً مجزوماً على جواب الأمر وعطف عليه * ( وَأَشْرِكْهُ ) * . وقال صاحب اللوامح عن الحسن أنه قرأ أشدِّد به مضارع شدّد للتكثير ، والتكرير أي كلما حزنني أمر شددت * ( بِهِ أَزْرِى ) * . وقرأ الجمهور * ( اشْدُدْ ) * * ( وَأَشْرِكْهُ ) * على معنى الدعاء في شد الأزر وتشريك هارون في النبوة ، وكان الأمر في قراءة ابن عامر لا يريد به النبوة بل يريد تدبيره ومساعدته لأنه ليس لموسى أن يشرك في النبوة أحداً . وفي مصحف عبد الله أخي وأشدد . وقال الزمخشري : ويجوز فيمن قرأ على لفظ الأمر أن يجعل * ( أَخِى ) * مرفوعاً على الابتداء * ( وَاشْدُدْ * بِهِ ) * خبره ويوقف على * ( هَارُونَ ) * انتهى . وهو خلاف الظاهر فلا يصار إليه لغير حاجة ، وكان هارون أكبر من موسى بأربعة أعوام ، وجعل موسى ما رغب فيه وطلبه من نعم سبباً تلزم منه العبادة والاجتهاد في أمر الله والتظافر على العبادة والتعاون فيها مثير للرغبة والتزيد من الخير . * ( كَىْ نُسَبّحَكَ ) * ننزهك عما لا يليق بك * ( وَنَذْكُرَكَ ) * بالدعاء والثناء عليك وقدم التسبيح لأنه تنزيهه تعالى في ذاته وصفاته وبراءته عن النقائص ، ومحل ذلك القلب والذكر والثناء على الله بصفات الكمال ومحله اللسان ، فلذلك قدم ما محله القلب على ما محله اللسان . و * ( كَثِيراً ) * نعت لمصدر محذوف أو منصوب على الحال ، أي نسبحك التسبيح في حال كثرتهم على ما ذهب إليه سيبويه * ( إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً ) * عالماً بأحوالنا . والسؤل فعل بمعنى المسؤول كالخبز والأكل بمعنى المخبوز والمأكول ، والمعنى أعطيت طلبتك وما سألته من شرح الصدر وتيسر الأمر وحل العقدة ، وجعل أخيك وزيراً وذلك من المنة عليه . ثم ذكره تعالى تقديم منته عليه على سبيل التوقيف ليعظم اجتهاده وتقوي بصيرته و * ( مَرَّةٍ ) * معناه منة و * ( أُخْرَى ) * تأنيث آخر بمعنى غير أي منة غير هذه المنة ، وليست * ( أُخْرَى ) * هنا بمعنى آخرة فتكون مقابلة للأولى ، وتخيل ذلك بعضهم فقال : سماها * ( أُخْرَى ) * وهي أولى لأنها * ( أُخْرَى ) * في الذكر والأخرى لفظ مشترك يكون تأنيث الآخر بفتح الخاء وتأنيث الآخر بمعنى آخره فهذه يلحظ فيها معنى التأخر . والمعنى أني قد حفظتك وأنت طفل رضيع فكيف لا أحفظك وقد أهلتك للرسالة . وفي قوله * ( مَرَّةً أُخْرَى ) * إجمال يفسره قوله * ( إِذَا * أَوْحَيْنَا إِلَى أُمّكَ ) * . قال الجمهور : هي وحي إلهام كقوله * ( وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ ) * . وقيل : وحي إعلام إما بإراءة ذلك في منام ، وإما ببعث ملك إليها لا على جهة النبوّة كما بعث إلى مريم وهذا والظاهر لظاهر قوله * ( يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لّى وَعَدُوٌّ لَّهُ ) * ولظاهر آية القصص * ( إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ * وَجَاء * كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) * ويبعد ما صدر به